محمد بن علي الشوكاني
3593
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
قال ابن حبيب المالكي ( 1 ) : الشراء للبادي مثل البيع له لقوله : " لا يبيع بعضكم على بيع بعض " ( 2 ) فإن معناه الشراء . وعن مالك روايتان ( 3 ) ، وكرهه ابن سيرين ( 4 ) .
--> ( 1 ) عزاه إليه الحافظ في " الفتح " ( 4 / 373 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2140 ) وأطرافه ( 2148 ، 2150 ، 2151 ، 2160 ، 2162 ، 2723 ، 5144 ، 5152 ، 6601 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 1515 ) . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أن يبيع حاضر لباد ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها " . وأخرجه النسائي في " السنن " ( 7 / 258 رقم 4503 ) وأحمد ( 2 / 126 ، 153 ) عن ابن عمر قال أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه " . وأخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 5142 ) ومسلم رقم ( 8 / 1412 ) . ( 3 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 6 / 310 - 311 ) وعن مالك في ذلك روايتان ووجه القول الأول أن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه ، فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر وليس ذلك في الشراء لهم ، إذ لا يتضررون لعدم الغبن للبادين ، بل هو دفع الضرر عنهم ، والخلق في نظر الشارع على السواء ، فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر . وأما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع له ، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله ، والأوزاعي ، وابن المنذر ، وكرهه مالك ، والليث ، وقول الصحابي حجة ما لم يثبت خلافه . وقد صح عند أحمد - الشراء لهم - وهو قول الحسن ، وكرهت طائفة الشراء لهم ، كما كرهت البيع . ( 4 ) قال البخاري في صحيحه ( 4 / 372 رقم 70 ) لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري . وقال إبراهيم : " إن العرب تقول بع لي ثوبا وهي تقصد الشراء " . انظر " فتح الباري " ( 4 / 354 ) ، و " البناية في شرح الهداية " ( 7 / 390 - 391 ) . قال ابن قدامة في " المغني " ( 6 / 305 - 306 ) قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لا يبيع بعضكم على بيع بعض " معناه : أن الرجلين إذا تبايعا ، فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار ، أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن أو أبيعك خيرا منها بثمنها أو دونها ، أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري ، ففسخ البيع ، واشترى هذه فهذا غير جائز ، لنهي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولما فيه من الأضرار بالمسلم والإفساد عليه ، وكذلك إن اشترى على شراء أخيه ، وهو أن يجيء إلى البائع قبل لزوم العقد ، فيدفع في المبيع أكثر من الثمن الذي اشترى به ، فهو محرج أيضًا لأنه في معنى النهي عنه ، ولأن الشراء يسمى بيعا فيدخل في النهي ، فالبيع باطل ، لأنه منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد . وقال ابن حجر في " الفتح " ( 4 / 353 ) : قال العلماء البيع على البيع حرام وكذلك الشراء على الشراء ، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار : افسخ لأبيعك بأنقص ، أو يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد ، وهو مجمع عليه . وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه فيقول له رده لأبيعك خيرا منه بثمنه أو مثله بأرخص ، أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر ، ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر فإن كان ذلك صريحا فلا خلاف في التحريم ، وإن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية ، ونقل ابن حزم الركون على مالك .